عبد الملك الجويني
363
الشامل في أصول الدين
منه السبب ، وكذلك الساهي ، والنائم عندهم تصدر منه أفعال مع انتفاء قصده وإرادته ، فهلا طردوا ذلك في كل فعل ؟ فإن قالوا : إنما يستغني عن الإرادة ، ما يقل عن الأفعال . قيل لهم : هذا باطل من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الأفعال المتولدة تكثر على انتظام واتساق ، مع استغنائها عن الإرادة . فانتقض ما عولوا عليه من الفرق بالقلة والكثرة . ثم نقول : هلا تمسكتم بفرقكم هذا في القدرة ، حتى تقولوا : يجوز صدور القليل من الأفعال ، مع انتفاء القدرة ، وإن لم يجز ذلك في الكثير طردا لقياسكم في الإرادة ؟ والوجه الثالث أن نقول : قود كلامكم يلزمكم أن تقولوا : إن القليل من الفعل للّه ، لا يدل على إرادته ، وهذا ما لا سبيل إليه ، ثم نقول : إن لم يبعد عن أصلكم وقوع الإرادات الحادثة من غير افتقار إلى إرادة وتخصيص فهلا طردتم ذلك في المرادات ؟ فإن قالوا : الإرادة لا تراد . فأقرب ما يقال لهم أن يلزموا أن يخلق اللّه تعالى لنفسه علوما حادثة على قدر المعلومات الحادثة . ثم لا تفتقر العلوم إلى علم بها يتقدمها ، كما لا تفتقر الإرادات إلى إرادة . وهذا يبطل عليهم كونه عالما بنفسه ، وسنبسط القول في ذلك في الإرادات إن شاء اللّه تعالى . ولما ضاقت بهم المسالك ، قال من حذق منهم : لا نثبت الإرادة إلا بتخصيص الصيغ في الألفاظ ببعض المعاني دون بعض . فإن قول القائل : افعل ؛ قد يرد وعيدا ، وقد يرد إباحة وقد يرد إيجابا ، والصيغة واحدة . وإن انقسمت المعاني فلا يتحقق تخصيصها ببعض المعاني إلا بالإرادة . وحسب هؤلاء أنهم تخلصوا من سؤال النائم والساهي ، فإنه لا يتصور منه تخصص الصيغة بمعنى المعاني . فنقول لهؤلاء : متى سلم لكم الكلام صيغ ، ومتى سلم لكم حدث الكلام ليراد ويخصص ؟ ثم بم تنكرون على من قال من أصحاب البلخي : إن العلم يقع الاجتزاء به في تخصيص الصيغة ؟ وربما يصير البلخي [ إلى ] أن صيغة الوعيد تخالف صيغة الإيجاب وليس لكم إلى الرد عليه سبيل . فإن قالوا : نحن نعلم أن قول القائل : افعل وهو متوعد ، كقوله افعل وهو موجب . قلنا : هذا الكلام سديد ، بيد أنكم أفسدتموه على أنفسكم . وذلك أنه قيل لكم : القتل اقتصاصا مثل القتل اعتداء . فزعمتم أن أحدهما يخالف الثاني بصفة نفسية هي القبح عندكم . فأبطلتم بذلك ما رمتم به الرد على الكعبي ، في مصيره إلى اختلاف الصيغ . ثم نقول : إنما ينبسط لكم الكلام لو سلم لكم استحالة كونه مريدا لنفسه ، فبم تنكرون